فينك يا مدام؟».قلبي وقع في رجلي، جريت عليها وقولت بفزع:— «أنا! أنا أمها.
. خير يا رب، في إيه؟ بنتي جرالها حاجة؟!».الممرضة ابتسمت بتعب وطبطبت على كتفي:— «اهدي يا ستي، البنت بدأت تفوق من الغيبوبة.. شفايفها بتتحرك وبتنده باسمك، والحرارة نزلت، الدكتور بيقول تدخلي لها فوراً وبلاش عياط قدامها عشان متتخضش، البنت محتاجة أمان».
الدنيا لفت بيا من الفرحة، حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي وبيقولي إن اختياري كان صح. دخلت جري، عقمت إيدي ولبست البالطو الأزرق على الباب، ورجليا كانت بتسابق الريح لحد ما وصلت لسريرها الصغير.
نور كانت هناك.. وشها لسه شاحب وعينيها نص مقفولة، بس رموشها بتتحرك بضعف، والخراطيم بدأت الممرضة تشيل منها شوية.
قربت منها براحة، مسكت إيدها الصغيرة اللي كانت متوصلة بالمحلول، وبوستها مليون بوسة، وحطيت خدي على كفها الدافي ودموعي بتنزل ساكتة:— «نور.. نور عيني، أنا هنا يا قلبي.. ماما جنبك ومش هتمشي تاني أبداً».البنت فتحت عينيها السودة الواسعة ببطء شديد، النور كان باهت في عينيها في الأول، بس أول ما ميزت وشي، ملامحها اتغيرت، صوابعها الصغيرة قفلت على صباعي بكل الضعف اللي باقي فيها، وطلعت همسة مبحوحة متقطعة زي نسيم ضعيف:— «ماما.
. إنتي.. إنتي جيتي؟ مش هتروحي عند الراجل الوحش تاني؟».ضميتها لحضني بحذر عشان الأجهزة، ودفنت وشي في رقبتها وأنا بشم ريحتها اللي ردت فيا الروح، وقولتلها بصوت طالع من قاع قلبي:— «مش هروح في حتة يا نور.
. ماما خلاص رجعتلك، ومفيش حد في الدنيا هيفرقنا تاني أبداً.. أنا هنا في حضنك لحد ما تكبري وتشوفي ولادك».عدت الساعات تقيلة في المستشفى، واليومين اللي بعدهم مسبتش إيدها لحظة، كنت بنام على كرسي حديد مكسور، بس كنت بنام وأنا مرتاحة، مبقتش أسرق الساعات ولا بخاف من رنة تليفون تقولي اتأخرتي ليه.
نور بدأت تسترد عافيتها واحدة واحدة، وشها رجع فيه الدم، وبدأت تضحك ضحكتها الرقيقة اللي بتنور الدنيا لما أأكلها الزبادي أو أحكيلها حواديت، وكانت كل شوية تتأكد إني لسه ماسكة إيدها وتقولي: «إحنا هنروح بيتنا عند تيتا سوا؟
» وأرد عليها بيقين مكنش عندي زمان: «سوا يا قلب ماما.. ومحدش هيقفل الباب في وشك تاني».في اليوم التالت، دخل الدكتور المتابع عشان يكتبلها إذن خروج، بص على التحاليل وابتسم:— «معجزة الطفلة دي كانت وجودك، نفسيتها لما استقرت سكرها اتظبط وأجهزتها رجعت تشتغل طبيعي.
. خدي بنتك وروحي يا ست الكل، بس اوعي تزعليها تاني، البنت دي روحها معلقة في رقبتك».
شكرته وأنا حاسة إن ربنا وهبني بنتي من جديد. جهزت حاجتها، ولبستها فستانها الصغير، وخرجت شايلاها على دراعي وأمي ماشية جنبي ساندة عليا وفخورة بيا لأول مرة من سنين. وصلنا بيت أمي القديم، الحيطان اللي كنت شيفاها زمان سجن وضيقة، شوفتها النهاردة أوسع من قصر، عشان فيها أماني وأمان ضنايا.
دخلت الأوضة، حطيت نور على السرير، ونامت وهي مبتسمة وضامة عروستها القديمة في حضنها.
. قعدت على طرف السرير، وبصيت لنفسي في المراية المكسورة؛ ست تعبانة، وشها مهدود، مطلقة مرتين، معندهاش قرش في جيبها، بس عينيها فيها لمعة كبرياء وشرف مكنتش موجودة زمان. قررت في اللحظة دي إني مش هستنى رحمة من حد، ولا هستنى نفقة هتذلني بيها المحاكم، هنزل من الفجر، هدور على شغل، هبيع خضار، هشتغل في مصنع، هنضف بيوت، المهم أربي بنتي بلقمة حلال وبكرامة متهدرش تاني.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.