الجزء الثالثهبطت طائرة الحاج إسماعيل المنشاوي في مطار القاهرة الدولي في تمام الساعة الرابعة فجراً. كان الرجل الثمانيني، رغم مرضه، يتحرك بصرامة شديدة. لم يتجه إلى منزله، بل أمر السائق بالتوجه مباشرة إلى مقر الشركة بالتجمع الخامس، حيث كان أحمد يرابض في مكتبه منذ ليلة الأمس، محاطاً بالدفاتر والمستندات في محاولة يائسة لإيجاد ثغرة قانونية تعيد له السيطرة.
عند الساعة السادسة صباحاً، اقتحم الحاج إسماعيل مكتب ابنه. كان يتكئ على عصاه، وعيناه تشتعلان غضباً. خلفه كان يقف ممدوح رشدي ومعه الشؤون القانونية.
أحمد وقف مذهولاً:— بابا؟! إنت وصلت إمتى؟ الدكاترة قالوا...قاطعه صوته القاطع وهو يضرب بعصاه على الأرض:— الدكاترة قالوا إني سبت راجل يدير الشركة، ما عرفوش إني سبت عيل طيش هدم شقى عمري في ستة وأربعين ثانية!
أحمد حاول التبرير والارتباك يغلبه:— يا بابا إنت مش فاهم اللي حصل! فريدة وداليا كانوا...صرف الحاج إسماعيل بيده بغضب:— داليا مين وفريدة مين؟! إنت فاكرني غايب عن الدنيا؟ المستندات المالية اللي فريدة سابتها وصلتني على إيميلي وأنا في المستشفى قبل ما طائرتي تقوم!
داليا كانت بتسرقك من أربع سنين بعلمك أو بغفلتك، وفريدة لما جالت لك تحذرك وتنقذك، سمحت للحرامية إنها تضرب ولي نعمتك ومرتك قدام الناس؟! 17 براءة اختراع يا جاهل! الشركة كلها كانت عايشة على عقل فريدة عبد الرحمن!
انحنى أحمد رأسه، والشرر يتطاير من عينيه، لكنه قال بكبرياء زائف:— يا بابا فريدة مش هي المحرك الوحيد، الشركة ليها اسمها وسوقها، والمحامين بتوعنا شغالين على رفع دعوى استعجالية لفك التجميد.
الحاج إسماعيل ضحك بسخرية مريرة:— دعوى إيه؟ المحكمة الاقتصادية جمدت التعامل بناءً على الشكوى المقدمة من الشركة الأجنبية شريكتنا بالسويد!
الشركاء الأجانب أرسلوا لي خطاباً رسمياً بفسخ التعاقد وتجميد الشراكة الاستثمارية البالغة 40 مليون دولار، لأن البند 12 في العقد ينص على أن ضمانة الأبحاث والجودة مقرونة بالتوقيع الشخصي للدكتورة فريدة!
إنت مش بس جمدت 17 براءة اختراع... إنت دمرت القيمة السوقية للشركة، والبورصة هتقفل النهاردة على خسارة 35% من قيمة الأسهم!سقط أحمد على كرسيه وكأن الجدران تنهدم فوقه.
في نفس الوقت، كنت أقود سيارتي متجهة إلى أحد أكبر الفنادق بالقاهرة الجديدة. لم أعد أرتدي ملابس العمل التقليدية، بل اخترت بذلة رسمية أنيقة تعبر عن المرحلة الجديدة. في قاعة المؤتمرات بالفندق، كان في انتظاري ممثل التحالف الدوائي الأوروبي، السيد "هنريك"، ومعه وفد قانوني رفيع المستوى.
جلسنا على طاولة الاجتماعات. قال هنريك بلغة عربية مكسرة ولكن بابتسامة احترام:— دكتورة فريدة... نحن نتابع الأزمة الأخيرة عن قرب. الشركة السويدية ألغت تعاقدها مع مجموعة المنشاوي، ونحن نعلم تماماً أن العقل المبتكر وراء هذه المركبات العلاجية هو حضرتِك، وأن جميع حقوق الملكية الفكرية والأبحاث العيادية مسجلة برقمك البحثي المستقل.
وضعت ملفاً جديداً أمامه وقُلت بثبات:— الأبحاث لم تتوقف، والجيل الثاني من هذه الأدوية جاهز للتسجيل. شركة المنشاوي كانت مجرد حاضنة وتمويل تم تسديد الجزء الأكبر منه من أرباح أبحاثي الخاصة. أنا هنا لأعرض عليكم تأسيس كيان جديد بالكامل... "مؤسسة عبد الرحمن للصناعات الدوائية المتقدمة".
هنريك اتسعت عيناه باهتمام:— والشراكة؟— 51% لي، مع الاحتفاظ بحقوق التطوير والابتكار حكراً على الكيان الجديد، ولكم نسبة 49% مقابل التمويل المباشر والتوزيع الدولي. وقّعنا الخطوط العريضة للاتفاق المبدئي في نفس الجلسة. بحلول الظهيرة، جاءت الضربة الثانية لأحمد.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.